من أكثر المفاهيم السياسية استخداماً حالياً مفهوم المجتمع الدولي، ويستخدم بشكل يومي في وسائل الإعلام العالمية في شكل دعوات للمجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات صارمة لضمان الاستقرار. على سبيل المثال، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن ماهية المجتمع الدولي وطبيعته.
نوضح هنا مسألة مهمة، وهي أن هناك فرقاً كبيراً بين مفهوم النظام الدولي والمجتمع الدولي، فالنظام الدولي عبارة عن إطار نظري طوره العلماء من أجل فهم القوة السياسية بين الدول والمنظمات في العالم. في حين أن المجتمع الدولي يضم كافة المكونات التي يشملها النظام الدولي لأنها الأطراف التي تكون النظام نفسه.
المجتمع الدولي وصل حالياً إلى درجة عالية من التعقيد، بحيث باتت العلاقات الإقليمية والدولية تتداخل مع بعضها لتكون شبكة معقدة من العلاقات والمصالح بسبب تطور التجارب الإنسانية في بناء الدول، وكذلك التكنولوجيا الحديثة التي ساعدت على إحداث تواصل وترابط ليس بين الدول فحسب، وإنما بين الشعوب ومؤسسات المجتمع المدني أيضاً.
ولكي نفهم المجتمع الدولي حالياً لا بد من فهم تطوره عبر التاريخ، لأن تطوره ارتبط بالحضارات التي كانت موجودة في العالم، وكذلك مختلف الدول التي تعاقبت وظهرت إلى أن وصلت إلى ما نحن عليه اليوم.
ففي 28 أغسطس 476 احتلت قبائل الجرمان الإمبراطورية الرومانية الغربية بعد إسقاط روما عاصمتها، وأصبح المجتمع الأوروبي بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية على يد القبائل الجرمانية قائماً على الصراعات، حيث انقسمت أوروبا إلى عدة ممالك وإمارات متصارعة حتى القرن الثامن الميلادي.
وظهرت في تلك الفترة الحضارة الإسلامية في القرن السابع الميلادي وامتدت لتشمل مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا وأوروبا. وازدهرت الحضارة الإسلامية بفضل قيمها الإنسانية والتعددية الثقافية، وكانت منبرًا للابتكار والتطور. وبذلك ساهمت في إدخال العديد من المبادئ والجوانب الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العلاقات الدولية، ومن أهمها ترسيخ مبدأ السلام كمبدأ أساسي في العلاقات الدولية يقوم على احترام العهود والالتزام بها.
وفي عام 800 ميلادي قام البابا بتطبيق نظرية السيادتين التي تجعل الفرد خاضعاً لعنصرين؛ الأول العنصر الروحي الذي تديره الكنيسة، والعنصر الثاني هو العنصر الزمني الذي تديره الدولة من خلال الإمبراطور، وبهذا صارت المجتمعات الأوروبية تحكمها سلطتين الأولى دينية تتمثل في الكنيسة، والثانية سياسية تتمثل في الإمبراطور أو الحاكم. والواقع أنَّ الموضوع يندرج في فلسفة السياسة والحكم خلال فترة وصفت بأنها زمن الحكم الثيوقراطي.
هذه الحالة ساهمت في زيادة الصراعات المتفاقمة بين السلطتين، وبالتالي تمزق الكيانات السياسية التي كانت موجودة في القارة الأوروبية. ومن العوامل التي ساعدت على ذلك ظهور النظام الإقطاعي الذي أتاح انفراد الأمراء والحكام في أوروبا بالانفراد بمظاهر السلطة داخل مناطق معينة، بحيث تعد هذه السلطة ملكية شخصية له. وبمرور الوقت انتشرت الحروب والصراعات في أوروبا باسم الدين تارة وباسم الحرية والديمقراطية تارة أخرى.
في القرن 15ميلادي انتهت فترة القرون الوسطى لأوروبا، يذهب الاتجاه الراجح من الفقه الدولي إلى أن العصور الوسطى بدأت بسقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476 وانتهت بسقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية سنة 1453.
وبدأت المراحل الأولى لتطوير العلاقات الدولية الحديثة وكذلك المجتمع الدولي بالشكل الذي وصل إليه اليوم. فخلال هذه الفترة ظهرت العديد من المحاولات لتنظيم المجتمع الدولي وضبط العلاقات بينه، ومن العوامل التي ساعدت على ذلك الاكتشافات الجغرافية الكبرى وأهمها أمريكا الشمالية والجنوبية. كما أن الاكتشافات الكبرى دفعت الدول الأوروبية إلى التسابق والتنافس على السيطرة على المستعمرات في مختلف أرجاء العالم.
المجتمع الدولي تطور بشكل تدريجي حتى وصل إلى مرحلة ظهور الدول الحديثة عندما استطاعت الإمارات والدول الأوروبية التخلص من نفوذ وهيمنة البابا والإمبراطور في الخارج، وتم القضاء على الأنظمة الإقطاعية هناك. إن أول الدول الحديثة التي ظهرت في المجتمع الدولي الحديث هي انجلترا، ومع ذلك استمرت حالة الصراع والحروب الدينية في القارة الأوروبية إلى أن اتفق حكام القارة على إبرام معاهدة ويستفاليا الشهيرة في 1648 ميلادي والتي أنهت الصراعات والحروب الدينية التي استمرت نحو 30 عاماً بين الدول الكاثوليكية ونظيرتها البروتستانتية.
تحول وضع المجتمع الدولي بعد معاهدة ويستالفيا إلى وضع مستقر، ولكن الحاجة للسيطرة على المستعمرات دفعت المجتمع الدولي إلى البحث في كيفية تنظيم خارطة المستعمرات في العالم. ويلاحظ أن المجتمع الدولي في تلك الفترة كان المقصود به الدول الأوروبية فقط وتجاهل الدول والممالك الأخرى.
في العام 1945 تأسست هيئة الأمم المتحدة وبعدها تطور المجتمع الدولي بشكل لم يسبق له مثيل، حيث شهد العالم حركة تحرر الشعوب من الاستعمار، وظهور الشركات متعددة الجنسيات، كما تأسست المئات من المنظمات الإقليمية والدولية. واستطاعت الأمم المتحدة القيام بدور إيجابي كبير في ظهور الدول الجديدة من خلال دعم استقلال الدول، وبذلك صار المجتمع الدولي مجتمعاً عالمياً ومجتمعاً أكثر تنظيماً من أي وقت مضى.
وأخيراً فإن المجتمع الدولي في القرن الحادي والعشرين لم يختلف عن نظيره في القرن الماضي، ولكن هناك فرصاً لظهور العديد من المكونات لهذا المجتمع نتيجة للتحولات المهمة التي شهدتها مختلف المجتمعات.
- Enseignant: بلفــضل مــــــحمد